عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

41

معارج التفكر ودقائق التدبر

الآية بقوله : وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، أي : وكذّب هؤلاء بأقوالهم هذه ، وكذّب الّذين من قبلهم من أهل القرون السابقة كذلك ، وكانوا أشدّ من كفّار مكّة قوة وبأسا فأهلكهم اللّه عزّ وجلّ . وأمّا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 50 نزول ) . مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) . فقد اشتمل على أربعة قوانين دستوريّة عامّة من قوانين الجزاء الرّبّاني : القانون الأول : مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ : أي : إذ يجلب لها باتّباعه الهدى السّعادة الأبديّة بفضل ربّ العالمين ، واهتداؤه الّذي يجلب له سعادته لا يشاركه فيها غيره ، مهما كان التصاقه به وثيقا بقرابة ورحم ، أو حبّ ، فثوابه له وحده . القانون الثاني : وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها : أي : يضلّ جانيا على نفسه ، إذ يلقي عليها عقوبات اختياره سبل الضّلال . وضلاله لا يضرّ غيره ، ما لم يكن له تسبّب بإضلال غيره ، ومن كان سببا في إضلال غيره ، فإنّه يعاقب على أعماله السّببيّة ، لا على أعمال الآخرين الاختياريّة . القانون الثالث : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى : أي : ولا تحمل نفس تكتسب باختياراتها أوزارها فهي باكتسابها لها وازرة ، وزر نفس أخرى تكتسب باختياراتها أوزارها . القانون الرابع : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا : أي : وما كان من شأن اللّه ولا من سنّته الحكيمة ، أن يعذّب الموضوعين موضع الامتحان ، على كفرهم وعدم إيمانهم ، حتّى يبعث رسولا يبلّغ الممتحنين مطلوب اللّه منهم ، وقد بعث اللّه في الواقع الفعليّ لكلّ أمّة رسولا ، فقد تحقّق هذا